تكشف الكاتبة نانسي جيتوس في تقرير نشرته صحيفة أكسفورد بلو ملامح التحولات التي تشهدها «مدينة الموتى» في القاهرة، حيث تختلط المقابر التاريخية بالحياة اليومية لعائلات فقيرة دفعتها الظروف الاقتصادية إلى السكن داخل الأضرحة والمباني الجنائزية القديمة. وترصد الكاتبة كيف تحاول مشروعات أوروبية محدودة إحياء المنطقة، في وقت يعاني فيه المواطن المصري من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص السكن والدعم الاجتماعي، بينما تتجه الدولة إلى إنفاق واسع على مشروعات دعائية وعمرانية بعيدة عن احتياجات السكان الأساسية.


ويشير تقرير أكسفورد بلو إلى أن «مدينة الموتى» بدأت كمقبرة إسلامية منذ القرن السابع، ثم تحولت مع الوقت إلى مساحة سكنية للفقراء والمهاجرين القادمين إلى القاهرة. واستفادت الأسر محدودة الدخل من وجود مبانٍ كبيرة مهجورة حول المقابر، حيث وفرت بعض العائلات المالكة للأضرحة أماكن إقامة مقابل العناية بالمقابر. ومع تعاقب العقود، تراجعت أوضاع المنطقة اقتصادياً بعد انتقال مراكز الاستثمار والتجارة إلى أحياء أحدث مثل مصر الجديدة والمعادي والقاهرة الجديدة.


الحرف التقليدية تنهار تحت ضغط الفقر والاستيراد


تصف الكاتبة شوارع المنطقة بأنها مليئة بالحركة رغم الفقر والإهمال، حيث تنتشر الورش الصغيرة ومحال الحرف التقليدية التي تكافح للبقاء. ويشرح الحرفيون كيف ضربت الواردات الصينية الأسواق المصرية وأضعفت الصناعات المحلية القديمة، خاصة في خان الخليلي والمناطق التاريخية المرتبطة بالحرف اليدوية.

ويؤكد صانع المصابيح البرونزية محمد اليماني أن الورش المحلية كانت في الماضي توفر مصدر رزق لعشرات العائلات، لكن المنتجات الصينية الأرخص سعراً سحبت الزبائن وأضعفت الطلب على الصناعة المصرية. كما يوضح أصحاب المكتبات والحرفيون أن غياب الدعم الحكومي وعدم اهتمام الأجيال الجديدة بتعلم المهن التراثية يهددان هذه الحرف بالاندثار.

وتعكس هذه الأزمة صورة أوسع للاقتصاد المصري، حيث يواجه المواطن ارتفاعاً مستمراً في الأسعار وتراجعاً في القدرة الشرائية، بينما تعجز قطاعات واسعة عن الحصول على سكن مناسب أو فرص عمل مستقرة. ويقول منتقدون إن الحكومة تركز على مشروعات ضخمة تخدم النخب والسياحة والاستثمار الخارجي أكثر مما تخدم سكان المناطق الشعبية والتاريخية.

استثمارات أوروبية محدودة ومحاولات لإنقاذ المنطقة

سلط التقرير الضوء على مشروع أوروبي أطلق عام 2018 تحت عنوان «التراث من أجل الحياة في مدينة الموتى»، بعدما قدم الاتحاد الأوروبي تمويلاً تجاوز مليون يورو لترميم المعالم المملوكية وتحسين أوضاع السكان. وقادت المهندسة البولندية أنيشكا دوبروفولسكا جهود الترميم عبر مؤسسة «أركينوس»، حيث عمل فريقها على إعادة تأهيل مجمع السلطان قايتباي وتحويله إلى مركز ثقافي وفني.

وساهمت هذه المشروعات في تحسين بعض الخدمات داخل المنطقة، مثل رفع القمامة وتنشيط السياحة الثقافية وتشجيع الحرف التقليدية. كما دعمت المؤسسة ورش الزجاج والجلود والحرف اليدوية، ووفرت فرص عمل لنساء المنطقة عبر مشروع «ميشكا» المتخصص في صناعة الإكسسوارات والمنتجات الجلدية المستوحاة من العمارة المملوكية.

ورغم هذه المبادرات، يظل حجم التغيير محدوداً مقارنة بحجم التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي تعانيه القاهرة التاريخية. فالكثير من السكان يعيشون في مساكن غير آدمية وسط نقص الخدمات وارتفاع الإيجارات وأسعار الغذاء، بينما تتراجع قدرة الدولة على توفير إسكان مدعوم أو خطط تنمية حقيقية للأحياء القديمة.

انتقادات لسياسات السلطة وإهمال المناطق التاريخية


يعيد التقرير النقاش حول أولويات السلطة المصرية في التعامل مع التراث والسكان الفقراء. فبينما أعلن رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي استعداده لبناء دور عبادة ومعابد لليهود إذا وُجدت جالية يهودية كبيرة في مصر، يرى منتقدون أن الحكومة لا تبدي الحماس نفسه تجاه ترميم مناطق تاريخية مأهولة مثل «مدينة الموتى» أو تحسين أوضاع سكانها.

ويؤكد منتقدو السياسات الحكومية أن القاهرة تضم عشرات المناطق الأثرية المهددة بالإهمال والانهيار، في وقت تنفق فيه الدولة مليارات الجنيهات على العاصمة الإدارية الجديدة ومشروعات استثمارية فاخرة لا يستفيد منها المواطن العادي. كما يشيرون إلى أن آلاف الأسر ما زالت تعيش داخل المقابر أو في مناطق عشوائية بسبب غياب الإسكان المدعوم وارتفاع أسعار العقارات.

وترى الكاتبة أن الحياة عادت نسبياً إلى «مدينة الموتى» بفضل مشروعات الترميم والسياحة الثقافية، حيث امتلأت الشوارع بالمقاهي والورش والأسواق الصغيرة. لكن هذا الانتعاش لا يخفي حقيقة أعمق تتعلق بالفقر المزمن والتهميش الذي تعانيه المناطق التاريخية في مصر.

ويبدو أن مستقبل «مدينة الموتى» سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين حماية التراث وتحسين ظروف السكان، لا الاكتفاء بمشروعات تجميلية محدودة أو استثمارات تخدم صورة العاصمة أكثر مما تخدم أهلها.
 

https://theoxfordblue.co.uk/a-closer-look-week-3-city-of-the-dead/?amp=1